دخول المتدربين

عنوان الشرف الوافي أعجوبة العقل المسلم

بين التحدي والعمل

(عنوان الشرف الوافي) أعجوبة العقل المسلم

ليس خفياً على أحد من الباحثين أو المثقفين والمهتمين أن من أهم أسس النهوض الحضاري بفكر أمتنا الإسلامية هو "الارتكاز" إلى ذلك الإرث الفكري والمعرفي الذي أورثه لنا عظماء الأمة وعلماؤها والمحافظة على ذلك الشريان الدقيق الذي يمتد عبر العصور منذ خمسة عشر قرناً إلى حيث اللانهاية مخترقاً تحديات الواقع وممتداً في كل تطورات المستقبل .

لقد كان من أعلام الأمة الإسلامية نجوم تسطع في سماء فكرها تفتقت عبقريتهم عن زخم معرفي وعلمي كان وما زال يسعى حثيثاً نحو الرقي بضمير الأمة ووجدانها.

ولذلك فإن أصحاب الرسالات الفكرية هم الذين يعملون على هندسة البناء الحضاري وتشييد مجد الأمة وخلودها.

ومن هنا فقد عني كثير من حكام المسلمين في عصور سابقة ولاحقة بتشجيع العلم والاحتفاء بالعلماء مما كان له أثره العظيم حيث نضجت قرائحهم وتفتقت أذهانهم فأشعت بنور المعرفة وأغدقت بالخير الوفير على أرجاء المعمورة.

وحسبنا ما كان من خلفاء بني العباس وبذلهم الجهود في تشجيع العلماء والباحثين فبفضل كل من الخلفاء (أبي جعفر المنصور، هارون الرشيد، المأمون) بلغت الحضارة الإسلامية شأواً بعيداً في التقدم والازدهار.

وبهذه النماذج من تاريخ أمتنا نعرف طبيعة البيئة التي يشب في كنفها العباقرة والمناخ الذي يحافظ عليهم ويرعاهم حتى تنعم البشرية بما يغدقوه من مزيد إنتاجهم وما تجود به قرائحهم.

وهذا ما كان من خلفاء بني رسول ملوك اليمن في القرنين السابع والثامن الهجريين والذي ولد ونشأ في كنفهم وعايشهم العالم المبدع "ابن المقري" صاحب الكتاب العظيم والعجيب "عنوان الشرف الوافي في الفقه والتاريخ والنحو والعروض والقوافي"

ولا أريد أن أتحدث عن "عنوان الشرف الوافي" وإنما سأترك صفحات الكتاب تتكلم عن نفسها وتبين عبقرية عقل المسلم عندما كان ينجذب إلى التدافع الحضاري الذي أرسى مبادئه قول الله عز وجل (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) البقرة:251-الحج:40 .

ويستجيب إلى التنافس في ميدان العمل والعلم والمعرفة بعد أن وعي جيداً ما يشير إليه قوله تعالى: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) المطففين: 26.

أما مؤلف هذا الكتاب العجيب فهو إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله المقري بن إبراهيم بن علي بن عطية بن علي الشرف أبو محمد الشغدري بفتح الشين المعجمة والغين المعجمة الساكنة وفتح الدال ثم راء قبل ياء النسب لقب لعلي الأعلى – الشاوري – نسبة إلى شاور الشرجي نسبة إلى شرجة من سواحل اليمن اليماني الحسين – نسبة إلى أبيات حسين باليمن مولده فيها الشافعي ويعرف بابن المقري [1].

ولد سنة (755)هـ في أيام الملك الشاعر العالم الأديب المجاهد عين ملوك بني رسول علي ابن داوود المؤيد بن يوسف المظفر فنشأ ابن المقري وترعرع في وسط مملوء بالعلماء والفضلاء حتى أن ملوك دولته كانوا على حظٍ وافر من العلم والأدب والمعرفة وحب نشر العلم وتشجيع أهله وذويه فالملك المجاهد علي بن داوود له آثار في العلم والتأليف وأما ابنه الملك العباس بن علي بن داوود فكان من أكابر المؤرخين عارفاً بفنون العلم والأدب والتاريخ مع يقظة تامة في سياسة الملك وحسن تدبيره .

ففي ظل هؤلاء الملوك نشأ ابن المقري وتفقه على الكاهلي وغيره ثم انتقل إلى زبيد(2) حيث العلماء وحلقات التدريس لا انقطاع لها فأكمل تفقهه على جمال الدين الريمي شارح التنبيه فقرأ عليه المهذب وأخذ العربية عن علماء وقته كمحمد بن أبي زكريا وعبد اللطيف الشرجي ومهر فيهما وفي غيرهما من العلوم وبرز في المنطوق والمفهوم وتعانى الشعر فبرع فيه وفاق أهل عصره وطار صيته واشتهر ذكره ومهر في صناعة النظم والنثر وجاء بما لا يقدر عليه أحد غيره وأقبل عليه ملوك اليمن وصار له حظ عظيم عند الخاص والعام وولاه الأشرف تدريس المجاهدية بتعز والنظامية بزبيد فأفاد واستفاد وانتشر صيته في سائر البلاد(3).

وكادت شمس إقباله تخفي ضوء جميع الكواكب وكاد يتم له الإشراف على قضاء اليمن لولا بزوغ نجم آخر أخذ في اللمعان والتألق (منافساً ابن المقري) وهو الإمام الكبير المجاهد محمد بن بعقوب الفيروز أبادي صاحب القاموس المسمى "القاموس المحيط" وكان الفيروز أبادي رحالة ولد بكارزون من أعمال شيراز ورحل في طلب العلم فدخل بغداد وارتحل إلى دمشق فدخل بعلبك وحماة وحلب والقدس ثم ارتحل إلى القاهرة ودخل مكة وجال في البلاد الشمالية والشرقية ودخل الروم والهند ثم دخل اليمن فوصل إلى زبيد سنة (796)هـ بعد وفاة قاضي القضاة جمال الدين الريمي فتلقاه الملك الأشرف بالقبول وبالغ في إكرامه وصرف له المكافآت السخية واستمر مقيماً لديه ينشر العلم وبعد مضي سنة أضاف إليه قضاء اليمن كله بعد وفاة ابن عجيل فقصده الطلبة وقرأ عليه السلطان فمن دونه في الحديث واستقر قدمه في زبيد.

عمل الفيروز أبادي للسلطان الأشرف كتاباً أول كل سطر منه حرف ألف فاستعظمه السلطان فعمل ابن المقري كتابه الحسن الذي لم يُسبق إلى مثاله المسمى "عنوان الشرف الوافي" منافساً فيه الفيروز أبادي وقد التزم ابن المقري أن تخرج من أوائله وأواخره وأوساطه علوم غير العلم الذي وضع له الكتاب وهو علم الفقه ولكنه لم يتمه في حياة الأشرف فقدمه لولده الناصر فوقع عنده بل عند سائر علماء عصره موقعاً عظيماً وأعجبوا به أشد العجب وهو يشتمل مع الفقه على نحو وتاريخ وعروض وقوافي(4).

 

وهذه الصفحة الأولى والثانية من الكتاب الذي تبلغ صفحاته مائة وعشر صفحات:

 

 

 

 

 

 

 


العمود الرابع علم القوافي وفي القوس النص

 

العمود الأول يشمل علم العروض ويقرأ راسياً باتجاه أسفل الصفحة وفي القوس نص العمود

 

علم الفقه يقرأ أفقياً مع ملاحطة أن أحرف علم العروض متطابقة مع أوائل أحرف الفقه من كل سطر

وكذلك علم القوافي في آخر كل  سطر

 

العمود الثالث علم النحو

 

العمود الثاني يقرأ راسيا ويشمل التاريخ

 


أما علوم هذا الكتاب وكيفية قراءتها فهي:

أولاً: علم الفقه على المذهب الشافعي مبتدئاً بباب الطهارة ومختتماً بباب الإقرار وهو العلم الوحيد في الكتاب الذي يقرأ أفقياً .

ثانياً علم العروض وهو أول العلوم الأخرى الموجودة في الكتاب والتي تقرأ راسياً وموضعه في العمود الأول من الجانب الأيمن من كل صفحة .

ثالثاً: التاريخ وهو نبذة مختصرة عن حكام بني رسول ملوك اليمن في الفترة من (626)هـ من حكم نور الدين عمر بن علي الرسولي وحتى حكم الناصر أحمد بن إسماعيل (803)هـ وموضعه في العمود الثاني من كل صفحة متمماً بعضه بعضاً.

رابعاً: علم النحو يقرأ راسياً في العمود الثالث من كل صفحة.

خامساً: علم القوافي يقرأ راسياً في العمود الرابع وهو الأخير من كل صفحة.

لقد أثنى على ابن المقري وكتابه السيوطي فقال: "كان له فقه وتحقيق وبحث وتدقيق ولم يزل السلطان يلحظه بعين الإكرام والجلالة والإعظام وكان غاية في الذكاء والفهم " وقال عن كتابه: "صنف عنوان الشرف كتاباً بديع الوصف مجموعة في الفقه وفيه أربعة علوم غيره تخرج من رموزه في المتن عجيب الوضع وهي نحو وتاريخ وعروض وقوافي وهو خمس كراريس "(5) وقال الموفق الخزرجي: "كان فقيهاً محققاً باحثاً ومدققاً يشارك في كثير من العلوم والاشتغال بالمنثور والنظوم إن نظم أعجب وإن نثر أجاد وأوجز إنه لا يوجد له نظير "(6) وقال عنه الشوكاني: "ولم يبلغ رتبته في الذكاء واستخراج الدقائق أحد من أبناء عصره بل ولا من غيرهم ".

لقد تفتق ذهن ابن المقري عن هذه الدرة الثمينة وتجلت عبقريته في هذا الكتاب العجيب عندما وجد نفسه في ساحة المنافسة مع الفيروز أبادي ومن حقنا أن نتساءل ألا يوجد في عصرنا ما يشير إليه قول الله عز وجل : (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) فيدعونا إلى أن نحوز قصب السبق في التدافع الحضاري بين أمم اليوم.؟

المصادر:

(1)شذرات الذهب ج7 ص220

(2)الضوء اللامع للسخاوي ج1 ص240

(3)الضوء اللامع للسخاوي ج2 ص292/293 البدر الطالع للشوكاني ج1 ص142

(4)الضوء اللامع للسخاوي ج2 ص293

(5)بغية الوعاة للسيوطي ج1 ص444

(6)الضوء اللامع للسخاوي ج2 ص293

==========



[1] شذرات الذهب ج7 ص220

القائمة البريدية

إنظم لقائمة أكاديمك البريدية ليصلك جديد الدورات والدبلومات

خدمات المتدربين

acdemic_707077@yahoo.com

مدونات أكاديمك

جميع الحقوق محفوظة أكاديمك للتدريب والتعليم 2011