دخول المتدربين

متى ينتهي العدوان على بنت عدنان

متى ينتهي العدوان على بنت عدنان

 

(أصل هذا الموضوع سلسلة مقالات نُشرت في جريدة الشرق القطرية على مدار ستة أشهر عام 1429هـ)

 

 

لا يخفى على أهل الشأن أنّ اختلاف اللغات بين الأمم والشعوب آية من آيات الله – سبحانه – تحمل العبرة للتأمل والتدبّر . وإنّ واقع أيّ لغة من اللغات يتأثر كثيراً بواقع الأمم والشعوب ؛ فهي – أعني اللغة – تقوى بقوة أممها ، وتضعف بضعفها ، والتاريخ يحفل بأمثلة كثيرة على لغات أصبحت مجرد (ترانيم) ، وأخرى بادت مع شعوبها ، وثالثة صار لها العِزّ والمنعة بعزّة أمتها . وقد كنتُ أثناء دراستي الجامعية الأولى أحد الدارسين للغة اللاتينية ، واللغة اليونانية القديمة (Ancient Greek & Latin) في أحد الأقسام المتخصصة في اللغات يُسمّى (Classics) ، وأول درس تعلمته فيه أنّ اللغة اللاتينية (Latina Lingua) – لغة إمبراطورية الرومان التي كانت تُستخدم طوال 1000 سنة – أضحت لغة (ميتة) لا تُستخدم الآن إلا في نطاق لا يتعدّى أسوار (الفاتيكان) ، وجدران الأقسام المتخصصة فيها ، وبعض المناهج الدراسية في الغرب ، ومع هذا : هناك مطالبات حثيثة بإعادة إحيائها بعد الممات ! وواقعنا المعاصر يظهر لنا بجلاء قاعدة (تأثر اللغات بقوة وضعف أممها) ؛ فاللغة الإنكليزية – مثلاً – التي صارت الأشهر في العالم استمدّت قوتها وانتشارها بين دول الأرض من قوة (أميركا) ، و(أوروبة) . أما لغتنا العربية – في زماننا – فقد أضحت مهانة أصابها الضعف والخَوَر ، وتمرّ بتحديات وصعوبات نابعة من واقع المسلمين عموماً ، بعد أن فقد كثير منهم اليوم – إلا بقايا من المنافحين الذّابّين – الحافز الإيمانيّ لتعلّم العربية ، ونشرها ، وحمايتها . ولا تحتاج هذه الحقيقة المُرّة إلى كثير عناء للوصول إليها ، ويكفيك أن تُقلّب بصرك في واقعنا اللُّغويّ في أيّ وسيلة إعلامية عربية ، أو في أيّ منظومة تعليمية في مجتمعاتنا لتقف على حجم الفادحة ، وتبكي دماً لا دموعاً يوم أن ضاعت لغتنا العربية – رمز هُويتنا ، وشعار عزّتنا – في بلادنا العربية المجيدة !

 

 

لقد حازت اللغة العربية أكبر شرف حين نزل القرآن الكريم بها ، وقد اصطفاها الله –سبحانه - لوحيه مِن بين لغات البشر كافة ، وفي إنزال القرآن الكريم باللغة العربية مَرْتَبَةٌ رفيعة لعِلْم العربية ، ووجه الدلالة أنَّه تعالى أخبر أنَّه أنزله عربيًا في سياق التمدُّح ، وذلك يدلُّ دلالة ظاهرة على شرف اللغة التي أُنْزل بها.ومن ذلك الحين تخطّت اللغة العربية حدودها الإقليمية لتصبح لغة عالمية ، وليست لغة العرب وحدهم ، يُتقرّب إلى الله – تعالى – بتعلّمها ، وتعليمها الملايين من البشر . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - : " ومعلوم أنّ تعلّم العربية ، وتعليم العربية فرض على الكفاية ؛ وكان السلف يُؤدّبون أولادهم على اللحن . فنحن مأمورون أمر إيجاب ، أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربيّ ، ونصلح الألسن المائلة عنه ، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة ، والاقتداء بالعرب في خطابها . فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً ، فكيف إذا جاء قوم إلى الألسنة العربية المستقيمة ، والأوزان القويمة فأفسدوها بمثل هذه المفردات والأوزان المفسدة للسان ، الناقلة عن العربية العرباء إلى أنواع الهذيان ؛ الذي لا يهذي به إلا قوم من الأعاجم الطماطم الصُميان ؟!" . ولله درّ القائل :

اللهُ عظّمها فصاغــــــت وحيـــه بالمعجزات وبالسّنا الوضاء
نزل الكتاب بها فصارت وحـدها قدسية القسمات والأسمــاء
عرضته في لفظ بهيّ ساحــــــر وجمال إيقاع وحُســــن أداء
صاغته فكراً معجـــــــزاً متألقاً خرّت لديه أكابر الفصحـــاء
وعن عمر – رضي الله عنه – أنه قال : "تعلّموا العربية ؛ فإنها تزيد في المروءة" ، وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللّحن ؛ قال ابن فارس : "وقد كان الناس قديماً يجتنبون اللّحن فيما يكتبونه ، أو يقرؤونه اجتنابهم بعض الذنوب " .

 

 

والعربية لغة القرآن الكريم ، وهو مهيمن على ما سواه من الكتب الأخرى ، وهذا يقتضي أن تكون لغته مهيمنة على ما سواها من اللغات الأخرى . وهي لغة خاتم الأنبياء والمرسلين – عليه الصلاة والسلام - أرسله الله للبشرية جمعاء ، واختار الله – سبحانه - له اللغة العربية ؛ وهذا يعني : صلاحيتها لأن تكون لغة البشرية جمعاء ، وأنَّها لغة الخلود حيث لا يمكن أن تزول عن الأرض إلا أن يزول هذا الكتاب المنزّل ، وقد تكفل الله بحفظها ضمنيًا في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وهذا – ولا ريب - وسام شرف ، وتاج كلّل الله به مفرق العربية .
ويرى كثير من العلماء أنَّ الكلام بغير العربية لغير حاجة قد يورث النفاق ، ولا نعجب إذا علمنا أنَّ مِنَ العلماء مَن أوجب تعلم العربية وإتقانها ، وكره الشافعي وغيره لمن يعرف العربية أن يتكلم بغيرها . قال ابن تيمية : "إنَّ اللغة العربية من الدين ، ومعرفتها فرض واجب ؛ لأن فهم الكتاب والسنة فرض ، ولا يُفهم إلا بالعربية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" , وقال ابن فارس : "لذلك قلنا: إنَّ علم اللغة كالواجب على أهل العلم لئلا يحيدوا في تأليفهم وفتياهم" . وممّا ورد في تغليظهم الحديث بغير العربية لغير حاجة ، وهجر لغة البيان ؛ ما رواه أهل العلم عن شيخ الإسلام من قوله : " وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمِصْرِ وأهله ، أو لأهل الدار ، أو للرجل مع صاحبه ، أو لأهل السوق ، أو للأمراء ، أو لأهل الديوان ، أو لأهل الفقه ، فلا ريب أن هذا مكروه ؛ فإنه من التشبه بالأعاجم " .

 

 

واللغة العربية هي وعاء الكتاب الخالد بها أُنزل وحُفظ ، وكل مسلم في حاجة إليها ؛ لأنها أساس كل علم ومناطه ؛ فالعربية خير اللغات – كما سيأتي بيانه - ، والإقبال على تفهمها من الديّانة يُتقرّب بتعلّمها ونشرها إلى الرب – سبحانه - ؛ إذ هي أداة العلم ، ومفتاح التفقه في الدين ، كما أنها أمتن اللغات ، وأوضحها بياناً ، وأذلقها لساناً ، وأعذبها مذاقاً ، ومن ثمّ فقد اختارها الله – تعالى – لأشرف رسالة ، ولخير رُسله – صلى الله عليه وسلم - ، وجعلها لغة أهل سمائه وسُكّان جنته ، وهي لغة الإيجاز والبيان والإعراب والبلاغة والفصاحة . كما أنها تمثّل المضمون الروحيّ لهُويتنا العربية ، وهي أساس تراثنا ، ومادة ثقافتنا وحضارتنا . وبالرغم من كل هذا الشرف والجلال والكمال والبهاء الذي اكتسبته اللغة العربية من القرآن الكريم ، إلا أنّ الذي يُدمي قلب كل محب غيور على العربية أن تجد أوْلى الناس بها هم أول مَن يهجرها ، ويعاديها ، بل ويحاربها !

وإني – واللهِ – لأعلم من المختصين الذين يقومون بتدريس اللغة العربية في الجامعات ، ولهم عشرات المؤلفات اللُّغوية ، لو استمعت لأحدهم وهو يتحدث – في ندوة ، أو برنامج - لعددتَ له عشرات الأغلاط واللحن . وأذكر حينما كنت عضواً إعلامياً في (جمعية حماية اللغة العربية) في إحدى الدول العربية ، وفي أول اجتماع لأعضاء الجمعية طُلب مني أن أتحدث ، وكنت أتهيّب الموقف جداً ، وأخشى من اللحن في كلمتي بين الأعضاء ، وحرصتُ على انتقاء الكلمات بعناية شديدة ، فضحك مني بعض أعضاء الجمعية - وكانوا من أساتذة الجامعة والمختصين – وقالوا حينها لمّا وجدوا تمسكي بالحديث بالعربية الفصيحة : " يا عم مشّي حالك ، ولا تكن حنبلياً وتكلّم على راحتك بالعاميّة " !! فأُسقط في يدي .

 

 

قال الأديب الشيخ عائض القرنيّ في مقامته النحوية : " اللحن في الأقوال ، ليس بأهون من اللحن في الأفعال ؛ فاللحن في الفعل يدل على الجهل وقلة العقل ، واللحن في الكلام يدل على أنّ صاحبه ليس له بالنحو إلمام . ونحن في زمن خفض المرفوع ، ورفع المنصوب ، ونصب المجرور ، وجرّ المنصوب ، وأصبحت النكرة معرفة ، والموصوف بلا صفة ، والمبتدأ بلا خبر ، والأفعال تُجرّ ، فانظر لحال أهل التمييز ، كيف ذلّ فيهم كلّ عزيز ؟ واعلم أنّ بعض اللحن لا يُصلحه سيبويه ، ولا يُقيمه نفطويه ، ومَن لحن عند أُولي الشأن ؛ أودى بنفسه أو كَأَن ! " . قلتُ : فكيف إذا كان اللحن ممّن يُفترض بهم أنهم من أولي الشأن وأهل الاختصاص ؟! ولعلّك لا تجد بين الإعلاميين والمختصين وفي الأوساط العلمية مَن يتحدث العربية دون لحن ، أو خطأ في مخارج وصفات الحروف إلا قليلاً ! وأذكر أنني أجريتُ – قبل سنوات – حواراً إذاعياً عن مشكلات اللغة العربية ، والصعوبات التي تواجهها ، وقضايا الفصحى والعاميّة مع رئيس لجمعية تُعنى باللغة العربية ، في دولة عربية كبرى ، فكان يتحدّث عبر الأثير ، ويُنظّر حول مشكلات العربية بلهجته العاميّة ، وإنْ نطق باللفظ الفصيح أتى بالعجائب ! وصدق شاعر النيل حين قال :

أرى لرجال الغرب عِزاً ومنعة وكَمْ عزَّ أقوامٌ بعِزّ لغات
إي والله ! قد ذقنا الهوان لمّا هانت العربية في نفوسنا ، ورحم الله الأديب علي الطنطاويّ حين صرخ وقال : " أليس حراماً أن نهملها حتى يجهلها منا المتعلمون وأهل اللَّسَن والبيان ويلحنوا فيها ؟! أليس حراماً أن يكون فينا من الخوارج على لغتنا مَن ينصر العاميّة المسيخة أو يكتب بها ؟! " . فهل إلى الإصلاح من سبيل ؟!

 

 

 

وفي عصرنا الحاضر تواجه اللغة العربية تحديات شرسة من قِبل قوى (العولمة) المختلفة ، بجانب ما تُعانيه من هجر أولادها ، وإدخالهم الكلام الهجين الدخيل على مفرداتها ، وتراكيبها . وفي ظل ثورة الاتصالات والمعلومات ، والفضاء المفتوح ، والتأثير الإعلاميّ القائم على الصخب والضجيج ، وهيمنة الغرب على وسائل التقنية والاتصال ؛ نجد اللغة العربية في مواجهة شديدة مع اللغة الإنكليزية خاصة ، التي يُروّج لها على أنها (لغة عالمية) ، والحقيقة أنّ هذا الادّعاء ليس له نصيب من الصحة عندما يوضع في ميزان البحث العلميّ ، وأنا هنا لستُ بصدد طرح ومناقشة أبعاد هذه القضية – أعني : عالمية اللغة الإنكليزية – حتى لا أحيد عن صُلب الموضوع الذي أبسطه خلال هذه المقالات ، ويكفي أن أشير إلى مصدر واحد يمكن لمن شاء الرجوع إليه في قضية (عالمية الإنكليزية) ، وهو كتاب (The Clash of Civilizations) لـ(Samuel P. Huntington) الذي يثبت فيه أنّ القول بعالمية الإنكليزية وهم كبير دُبّر بعناية ! وأرى – ولست بدعاً من القائلين بذلك – أنّ الوصف الدقيق لها هو أنها (لغة الاتصال العالمية) بين مختلف الثقافات والشعوب ، وهذا أمر جليّ لا يُنازع فيه إلا جاهل . ومن هنا : فإنّ التحدي الذي تواجهه اللغة العربية مع الإنكليزية مردّه إلى الشعور المبالغ فيه حول أهمية اللغة الإنكليزية ، والانبهار بكل ما هو أجنبيّ ، والظنّ أنّ التقدّم والرّقيّ والازدهار لا يأتي إلا عن طريق إتقان اللغة الإنكليزية للجميع ، والتحدث بها ليل نهار ! وإن تعجب فاعجب ممّن يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؛ فتراهم يتكاتبون ، ويتحدثون ، ويفكّرون باللغة الإنكليزية في بلادهم العربية ! وصدق ابن خلدون : " فالمغلوب يعجب بالغالب ؛ فيتشبّه به في شعاره ، وزيّه ، ونِحلته ، وسائر أحواله ، وعوائده " .

 

 

ولقد تميّزت العربية بالعديد من المزايا والخصائص التي لم تُؤتها لغة أخرى ؛ فقد نمت ونضجتْ في أرضها ، ورُويت بمائها ، ومضى بها أولادها البررة ، وعرفت العربية قواعدها صافية رقراقة منذ بكور نشأتها ، وعرفت نحوها وصرفها كذلك في أجوائها النقيّة . ويكفي اللغة العربية فضلاً أنها لغة القرآن الكريم ببيانها المُعجز الذي تحدّى فصحاء العرب إلى يوم القيامة . وبلغت العربية ذروة نضجها وتطورها لمّا نزل بها الوحي ، بعد أن استقرّت بياناً وقواعد ، ونثراً وشعراً ؛ لتبقى لغة الكتاب الخالد ثابتة القواعد والبيان ، غنيّة كلّ الغناء ، ويظلّ القرآن الكريم ميسّراً للذاكرين ، ومفصّلاً للعالمين . وفي إطار الحديث عن أبرز خصائص اللغة العربية ، يجد الباحث نفسه أمام تفرّد عجيب في المزايا والخصائص العديدة ؛ والتي منها : السعة ، والبيان ، والاعتدال ، وكثرة حروف المباني ، والإعراب ، وكثرة المفردات ، والاشتقاق ، والتوكيد ، وتنوع الأساليب والعبارات ، والقدرة التعبيرية الفائقة على المعاني الثانوية ، وأنها تُقرأ كما تُكتب والعكس – خلافاً لغيرها من اللغات - ، والإيجاز ، والمجاز ، وقابلية المشتقات للتصريف ، وقربها من المنطق ، وقدرتها على الأخذ والاستيعاب من غيرها ، وغير ذلك من الخصائص التي تتعلق بالجانب التراثيّ المعرفيّ والروحيّ ، والخصائص الشعرية الإيحائية . ويجمل بي أن أبسط القول – للقارئ العزيز – حول أهم وأبرز هذه الخصائص الفريدة : فلو تناولنا خصيصة (سعة اللغة العربية) ؛ سنجد أنّ العربية تميّزت بأنها أوسع اللغات ثروة في أصول الكلمات والمفردات ؛ فهي تشتمل على جميع أصول اللغات السامية وتزيد عليها بأصول كثيرة احتفظت بها مما لا يوجد له نظير في أيّ لغة أخرى ، أفلا ترى العرب قد جمعت ألف اسم للسيف ، وخمسمئة للأسد في سخاء لُغويّ لا شبيه له !

 

يرى بعض الباحثين أنَّ الحديث عن خصائص اللغة العربية يجب أن يُنظر إليه من زوايا ثلاث حتى يُبنى على أسس وقواعد علمية ؛ وهي : البناء الداخليّ ، والتراث المعرفيّ ، والسمات الشعرية . ويُقصد بالحديث عن (البناء الداخليّ) : القواعد ، والأصول التي تنهض عليها اللغة العربية من الناحية النحوية ، أوالصرفية ، أو الصوتية ، أو المعجمية ، أو ما يتعلق بفقه اللغة وعلومها . ويشير الباحثون في هذا الجانب إلى مبدأ (الاعتدال) الذي بُنيت عليه اللغة العربية ؛ فقد لاحظوا أنَّ أكثر كلماتها وضعت على ثلاثة أحرف ، وقليل منها أصله رباعيّ ، أو خماسيّ ؛ لئلا يطول النطق ويعسرُ ، ولم تكثر الألفاظ الثنائية خشية تتابع عدة كلمات في العبارة الواحدة ؛ فيضعف متن الكلام ، ويحدث ما يشبه التقطع لتوالي الألفاظ المكوّنة من حرفين . وقد لاحظ الدارسون أنَّ العرب – جرياً منهم على سُنّة الاعتدال – يُسقطون شيئاً من الحروف ؛ نحو : (سفرجل) إذا أرادوا تصغيره ، قالوا : (سفيرج) ، وكذلك في الجمع يقولون : (سفارج) ، ثم إنك لا تجدهم يجمعون في حشو الكلام بين ساكنين لما ينشأ عن اجتماع الساكنين من البطء في التلفظ بها ، ولا يوالون في اللفظة الواحدة بين أربع متحركات ، وقد أهملوا النطق بالأوزان العسرة اللفظ ؛ نحو : (فِعُلَ) – بكسر الفاء ، وضم العين – وذلك لثقله . ولذا لن تعجب إذا سمعت المطران يوسف الموصليّ يقول عن اللغة العربية : " أقرب سائر لغات الدنيا إلى قواعد المنطق عباراتها سلسة طبيعية " .

 

 

نشرت الصحف الخليجية مؤخراً خبرين مهمين – في رأيي – يتعلقان باللغة العربية ؛ أما أحدهما : فمفاده أنَّ مسحاً أجرته جمعية اللغات الحديثة في الولايات المتحدة الأميركية أشار إلى أنّ اللغة العربية أصبحت واحدة من بين اللغات العشر الأولى التي تتم دراستها في الجامعات والكليات في الولايات المتحدة . وأما الثاني : فقد أعلن رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية في المملكة العربية السعودية في مؤتمر صحفيّ عن إطلاق (مبادرة الملك عبد الله للمحتوى العربيّ) ، التي تستهدف تدوين جميع ما أُنتج ، أو كُتب باللغة العربية طوال (1500) عام على الحاسب الآليّ ؛ وذلك لجعله متناولاً لجميع الأجيال عبر الشبكة العالمية ، لتضييق الهُوّة الرقمية ، وتكوين مجتمع المعرفة ، ولخدمة اللغة العربية في شتى المجالات . وأشار الخبر أنّ المشروع يندرج ضمن الخطة الوطنية للعلوم والتقنية ، وأنّ دور مدينة الملك عبد العزيز سيقتصر على تنفيذ جزء من الخطة ، والتنسيق بين الجهات الأخرى الموكلة ببقية المشروع ، على أن يقوم بإنجاز المشروع باحثون مختصون ، والانتهاء من الهيكل العام للمشروع خلال ثلاث سنوات . (انتهى الخبران) . والخبر الأول إن كان ظاهره مُفرحاً إلا أنَّ باطنه ليس كذلك ؛ فهذا الإقبال الملحوظ على تعلّم اللغة العربية ليس حباً وشغفاً فيها وللشعوب المتحدثة بها ، وإنما هي المصالح كما صرّحت بذلك (Karin Raiding) أستاذة اللغة العربية في جامعة (جورج تاون) ، حيث نشرت صحيفة (U.S Today) مقولتها : " وهم يُقبلون (أي : الشبان) على تعلّم العربية لمصالح محدّدة ؛ مثل : الوظائف في المنظمات الدولية ، والمؤسسات الأمنية ، ووسائل الإعلام " .

 

لا يزال الحديث موصولاً عن أبرز خصائص اللغة العربية التي تميّزت بها عن غيرها من لغات الأرض كافة ، وتقدّم بعض الحديث عن (سعة اللغة العربية) ؛ فقد اتسعت العربية اتساعاً كبيراً ، حيث إنّ ذلك يبرز في غزارة مفرداتها ، وكثرة الاشتقاق فيها ، ووجود القلب ، والإبدال ، والنحت – كما هو معروف عند المختصين – وسعة صدرها في التعريب ، والمجاز ، والكناية ، والنقل ، واتّسعت لعلوم الحضارة – كما سيأتي - ، وعُرفت بكفايتها النادرة ، ومنزلتها السامية ، وقوة أدائها ، ولذا فقد قال السيوطي في باب (سعة اللغة) : " قال بعض الفقهاء : كلام العرب لا يُحيط به إلا نبيّ " . قال ابن فارس : " وهذا كلام حريٌ أن يكون صحيحاً ، وما بلغنا أنّ أحداً ممّن مضى ادّعى حفظ اللغة كلها " . ويوضّح هذا المعنى الشافعيّ بقوله : " لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً ، وأكثرها ألفاظاً ، ولا نعلم أن يحيط بجميع علمه إنسان غير نبيّ ، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامّتها ، حتى لا يكون موجوداً فيها مَن يعرفه ، والعلم به عند العرب كالعلم بالسُنّة عند أهل الفقه " . ولله درّ حافظ إبراهيم حين صاغ أبياتاً على لسان اللغة العربية :
وسِعتُ كتابَ اللهِ لفظاً وغايـــة وما ضقتُ عن آي به وعظـــات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعـــــات
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامـن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلي وتَبلى محاسـني وفيكم - وإنْ عزّ الدواء – أُساقي؟
وأمام هذا التفرد العجيب نجد المنصفين من علماء الغرب يعبّرون عن إعجابهم بروعة وجلال العربية ؛ فها هو (فان ديك) يقول : " العربية أكثر لغات الأرض امتيازاً من حيث ثروة معجمها ، واستيعاب آدابها " .

 

 

وممّا جاء على ألسنة المنصفين من علماء الغرب بشأن تميّز اللغة العربية ، وتفرّد خصائصها ؛ ما رُوي عن (جورج سارطون) من مُقوَّلته : " إنّ الوحي نزل على الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - باللغة العربية ، وهكذا كانت العربية لغة الله ، ولغة الوحي ، ولغة أهل الجنة ، وقد أكّد الرسول الكريم على وجوب قراءة القرآن الكريم باللغة العربية ؛ فكان من نتاج هذا : ذلك الاتجاه العقليّ الواحد في التأكيد على الصحة المطلقة للغة العربية ، ولقد اتُفق أنْ أصبحت اللغة الوحيدة التي عرفها رسول الله كانت من أجمل اللغات في الوجود . إنّ خزائن المفردات في اللغة العربية غنية جداً ، ويمكن لتلك المفردات أن تزداد بلا نهاية . ولغة القرآن تمثّل اتفاقاً عجيباً ؛ فالرسول الكريم مع أنه أُميّ كان يملك ناصية اللغة ؛ إذ آتاه الله بياناً ، ووهب اللغة العربية مرونة جعلها قادرة على تدوين الوحي الإلهيّ أحسن تدوين بجميع دقائق معانيه ولفتاته . وهكذا جعل القرآن الكريم من اللغة العربية وسيلة دولية للتعبير عن أسمى مقتضيات الحياة " . وقال (جوستاف جرونيباوم) : " ما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها ؛ فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية ، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان ، أمّا السّعة فالأمر فيها واضح في ضروب المجاز والاشتقاق .. إلخ ، وهي مع السّعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني " . وقال (لويس ماسينون) : " أدخلت اللغة العربية في الغرب طريقة التعبير العلميّ ، والعربية من أنقى اللغات ، واتّسمت بالإيجاز الذي لا شبيه له في سائر اللغات ، والذي يُعدّ معجزة لُغوية كما قال البيروني " .

 

 

 

وقال (عبد الكريم جرمانوس) : " ساعد القرآن الكريم على روعة العربية ، وخلودها ، فقد كان لأسلوبه أثر عميق في دخول الناس في الإسلام ، كما اتسمت العربية بالمرونة التي لا تُبارى . ويقول (يوهان فك) : " تمثّل العربية الفصحى رمزاً لغوياً لوحدة عالم الإسلام ، وقد برهن جبروت التراث العربيّ الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يُقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر " . وهذا (جان بيرك) الفرنسيّ يقول : " إنّ أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسيّ في المغرب هي اللغة العربية ، بل اللغة العربية الفصحى بالذات ؛ فهي التي حالت دون ذوبان المغرب في فرنسا ، وكانت عاملاً قوياً في بقاء الشعوب العربية " . ويقول (كارل نلينو) : " اللغة العربية تفوق سائر لغات العالم رونقاً وغنى ، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها " . وقال المستشرق الألمانيّ (كارل بروكلمان) : " بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أي لغة أخرى من لغات الدنيا ، والمسلمون جميعاً مؤمنون بأنّ العربية وحدها اللسان الذي أُحُلّ لهم أن يستعملوه في صلاتهم " . وقال (هايوود) : " إنّ العرب في مجال المعجم يحتلون مكان المركز ، سواء في الزمان أو المكان ، بالنسبة للعالم القديم أو الحديث ، وبالنسبة للشرق أو الغرب " . ويعبّر المستشرق الألماني (أوجست فيشر) عن إعجابه بالتراث العربيّ بقوله : " وإذا استثنينا الصين ؛ فلا يوجد شعب آخر يحق له الفخار بوفرة كتب علوم لغته ، وبشعوره المبكر بحاجته إلى تنسيق مفرداتها ، بحسب أصول وقواعد غير العرب " . وعلى الرغم من أنّ هذه الأقوال لا تضيف جديداً إلى فضل اللغة العربية ، إلا أنها تشير – بجلاء – إلى مكانتها ومنزلتها عند المختصين من الناطقين بغيرها .

 

 

لا يزال الحديث موصولاً عن أبرز الخصائص والمزايا التي اختصّت بها اللغة العربية دون غيرها من لغات الأرض ؛ ومنها : (البيان) ، وهذا يتضح من قول الربّ – سبحانه - عن القرآن : ((بلسان عربيّ مبين)) ، حيث وصف الله – تعالى – اللسان العربيّ بأبلغ ما تُوصف به اللغة ؛ وهو (البيان) ، والبيان من أهم وظائف اللغة ، وأفضل ما تُوصف وتختص به ، وعندما يرد الوصف من المولى في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة دلّ ذلك على تحقق هذه الصفة فيها بقدر عظيم ، وعلى وفائها بالإبانة من أكمل الوجوه . ويتمثّل بيان العربية في كمال البيان اللّغويّ ، وليس مجرد الإبانة ؛ لأنّ هذا يتحقق بغير اللغة العربية . وفي مجال العبارات العربية نجد سعتها ، ووضوحها ، وكثرة ترادفها ، وغناء ألفاظها ، وثراء مادتها ، وغزارة مفرداتها ، وحُسن تأليف مباني الكلِم ، فضلاً عن وجود خصيصة الاشتقاق ، التي جعلت اللغة العربية أكثر إنتاجاً وتوكيداً . و(البيان) كما قال عنه الجاحظ : " اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى ، والدلالة الظاهرة على المعنى الخفيّ هو المعنى الذي سمعت الله – عزّ وجل – يمدحه ، ويدعو إليه ، ويحثّ عليه ؛ بذلك نطق القرآن ، وبذلك تفاخرت العرب " . ويتّسع (البيان) لمعاني الفصاحة ، وإظهار المقصود بأبلغ لفظ ، وهو من الفهم وذكاء القلب ، مع وضوح اللسان ، وكشفه وإيضاحه وإظهاره للمقصود . ومن هنا : كانت الفصاحة إحدى نعم الله – تعالى – وقد قال عنها الرازيّ : " الفصاحة أشهر العلوم وأجلّها ؛ لأنها طريق الإعجاز القرآنيّ ، وهي ترجع إلى الألفاظ والمباني " . ولذا فقد أرسل الله – تبارك اسمه – كل نبي بلسان قومه ؛ ليبيّن لهم ، لأنّ مدار الأمر على (البيان) ، والتبيين .

 

 

تزامن وقت كتابة هذا المقال مع وقت إعدادي لملف (واقع اللغة العربية المعاصر) للمناقشة في برنامج (ندوة الإذاعة) الذي أشرُف بإعداده ، ويقدّمه عبر أثير إذاعة قطر الإذاعيّ القدير حازم طه ، والحقيقة أنَّ المتأمل لواقع اللغة العربية هذه الأيام يرى أنها قد هانت ، وأُهملت على يد أولادها – ذكوراً وإناثاً – حتى إنَّ المرء لن يبالغ إن قال : إننا نعيش أزمة ، و(رِدَّة) لُغوية عامة في ظل ضعف ، وتغريب لُغويّ ، فكانت النتيجة : أنْ سادت (العامّية) على ألسنة المعلّمين والدارسين في مراحل التعليم كافة ، بل على ألسنة المتخصصين فيها - إلا بقايا من المدافعين المخلَصين – رغم عملهم في ميدان اللغة العربية تعليماً ، وتعلماً ، وتخصصاً ! وقِس على ذلك : الإعلاميين ، وأهل الصحافة ، والخطباء ، وغير هؤلاء . وإذا كان المتخصصون – ويا للعجب – يتساهلون في استخدام اللغة العربية ، والتحدث بها ، فليس عجباً أن يمتدّ التساهل إلى مَن دونهم ؛ فالمثقفون – والمتعالمون ومدّعو الحضارة - يستخدمون ألفاظاً وكلماتٍ أجنبيةً في أحاديثهم ، وكتاباتهم ، وكأنّ العربية تعجز عن الوفاء بتعبيرهم ! وأينما تولّي بصرك ترصد عشرات الصور التي تحارب ، وتجافي ، وتتجاهل اللغة العربية في دارها وبين أهلها في المؤتمرات ، والمحافل ، والجامعات ، والإذاعات ، والفضائيات ، والصحف ، والمجلات ، والإعلانات ، ... حتى فشى اللّحن وانتشر ، وشاعت الأغلاط اللغوية ، وقَلَّ المحذّرون من مغبة هذا الجفاء للغة العربية ، فعمّتْ الكارثة ، وضاع اللسان العربيّ الفصيح بين أهله . وإذا كان حافظ إبراهيم - رحمه الله- نعى حظ اللغة العربية من أبنائها على لسانها قبل أكثر من قرن ، وقد كان في زمانه بقايا من أساطين اللغة وسدنتها؛ فبالله عليك ماذا كنتَ تقول – يا حافظ – لو أنك تعيش بيننا الآن ؟!

 

 

تُعدّ اللغة بشكل عام – بما لها من قدرة خارقة في التأثير ، والتشكيل الثقافيّ – من أهم أدوات تشكيل الأمة ، وتفاهمها ، وتواصلها ، وهي القلاع الأولى ، والحصون الثقافية ، والاجتماعية ، والتراثية المستهدفة ، كما أنها مستودع ذخائر الأمة ، ومخزونها الثقافيّ ، وتراثها الذي يحدّد شخصيتها ، ومعالم هُويتها . وقد أدرك (الغزاة) – على مرّ الأزمان – هذا الأمر ، وعلموا أنّ استهداف اللغة يعطّل نمط تفكير الأمة ، ويُلغي عقلها ، ويطمس شخصيتها ، ويعبث بثقافتها ، ويقطع أوصالها ، ويجفّف ينابيعها ، ويجتث جذورها ، ويتركها في مهبّ الريح . وتزداد المحنة عندما تكون اللغة هي لغة العبادة ، والعقيدة ، والقيم ، والثقافة ، والحضارة ، والعلم ، والتعليم .. كاللغة العربية . لذلك كان من نتائج المحاولات المستمرة التي استهدفت اللغة العربية – وسيأتي الحديث عنها بإذن الله – أن ظهر فينا (الخوارج) من أبناء جِلدتنا الذين يطالبون باستخدام الحروف اللاتينية في الكتابة العربية ، ويرون أنَّ (العامّيّة) هي اللغة الأكثر سلاسة ، وانسياباً ، والأيسر في التفاهم والتعارف ، وأنّ (الفصحى) بنحوها ، وصرفها ، ومخارج حروفها هي لغة صعبة معقّدة في تعلمها ، وتعليمها ؛ لذلك أصبحت معزولة عن الحياة ، محنطة في المعاجم والكتب القديمة ، فاقدة للقدرة على الإرسال ! أليس من المضحكات المبكيات أنّ العامّيّة (لغة الجهل) – إن صحّ تسميتها لغة – تتقدّم ، وأنَّ الفصحى (لغة العلم ، والتاريخ ، والتراث ، والحضارة) تتراجع إلى المعاجم ؛ حتى جهلها أهل اللَّسَن منا والمختصون بَلْهَ غيرهم ؟!

 

 

في مجتمعاتنا العربية : يبدو التحدي سافراً للغة العربية بفعل (العولمة) وتأثيراتها ، والتشبّه الساذج بكل ما هو أجنبيّ عندما تُجاهر كثير من المحلات التجارية ، ومراكز التسوق ، والمجمّعات ، والمؤسسات الخاصة – وبعض المؤسسات الحكومية العامة – والشركات العاملة في ربوع وطننا العربيّ المجيد بكتابة لافتاتها ، وإعلاناتها باللغات الأجنبية ، وتسطير تقاريرها ، وصياغة عقودها ، وإصدار تعليماتها إلى العاملين فيها – وإن كانوا عرباً – باللغة الأجنبية ، والعجيب – والغريب والمُريب في الوقت نفسه – أنها تصيغها بلغة أجنبية صحيحة دون خطأ يُذكر في الغالب ، أما إذا صاغتها باللغة العربية المغلوب على أمرها بين أهلها – ذرّاً للرماد في العيون – فإنها تعجّ بالأخطاء – النحوية ، والإملائية – التي يشيب لها الوِلدان ؛ الأمر الذي يمسّ الوضع السياديّ للغة العربية بوصفها اللغة الرسمية لجميع دول الوطن العربيّ – حسب ما نُصّ عليه في دساتير سائر البلاد العربية – وفي هذه الحالة يرقى الفعل إلى درجة الاستهتار بهيبة الدولة ، والانتقاص من كرامتها . وفي بعض البلدان المتقدمة – أقول : المتقدمة ! – يُشكّل هذا الفعل جريمة يعاقب عليها القانون ! وعندما ننظر إلى وضع اللغة العربية في سوق العمل في بلادنا العربية نجد أنَّ المبالغة في أهمية اللغة الإنكليزية ، واشتراط إجادتها - كتابة ، وقراءة ، وتحدثاً - من قِبَل الشركات العربية ، والأجنبية قد أصبح ظاهرة تستحق الوقوف عندها ، وتدخّل المعنيين – إنْ كان يهمهم أمر لغتنا ، وهُويتنا – وتأمل ودراسة انعكاساتها على مصلحة الوطن العربيّ ، وملامح الهُويّة ، بعد أن أصبح المواطن العربيّ غريباً لغوياً في كثير من المؤسسات ، والشركات في بلاده .

 

 

من المفارقات المضحكة المبكية أنَّ إعلامنا العربيّ – ولا سيما المسموع والمرئيّ – لا يرقى في مجمله إلى بعض أجهزة الإعلام الغربية التي تبثّ برامجها باللغة العربية ؛ من حيث مستوى المُعدّين ، والمذيعين ، وفن الأداء ! ونجد أنّ الفضائيات ، والإذاعات الأجنبية التي توجّه محتوى رسالتها بالعربية لشعوبنا قد جنّدتْ أفصح المذيعين لغة لبرامجها ، وأنشأتْ مدارس متخصصة للعاملين فيها لهذه الغاية ، أمّا في قنواتنا الفضائية ، وإذاعاتنا العربية فبينهم وبين العربية الفصيحة بُعد المشرقين إلا مَن عصم ربي ! وأنا لا أفتري فرية – معاذ الله – وأتهم القائمين والعاملين فيها بما ليس فيهم ؛ فلقد عملتُ – ولا أزال أعمل – في بعض القنوات ، والإذاعات ، وأعرف كثيراً من الخفايا والخبايا في مجال الإعداد والتقديم ، وما يتعلّق بضعف الأداء ، وشيوع الأغلاط في استعمالات اللغة بين المُعدّين والمقدمين ، وقارئي النشرات الإخبارية ، ولولا النهي الشرعي ، وطلب السلامة من اللائمين لحدّثتُ بأمور عجيبة عن الجهل ، والتجافي بين مشاهير المذيعين ، والمُعدّين – فضلاً عن غيرهم – للغة العربية في عقر دارها على ألسنتهم ، وفي كتاباتهم . وإذا كانت وسائل الإعلام العربية قد نجحت – بعض الشيء – في توظيف التقنية في الخدمة الثقافية ، والاجتماعية ، والحضارية ، وتحديث المجتمعات ، ونقل للأخبار ، وتسجيل للتاريخ المعاصر ؛ إلا أنها لم تفعل الشيء نفسه – على قلّته – مع استعمال اللغة العربية – التي تُعدّ الوعاء الإعلاميّ الأهم – من حيث : مستوى التعبير ، وصحة اللغة ، وضبط ألفاظ ومخارج الحروف ، وطريقة الأداء .

 

في تقديمه لكتاب (العربية تواجه التحديات) ؛ يقول الأستاذ / عمر عبيد حسنة : " ونعتقد أنّ تركيز الهجوم على اللغة بهذه الضراوة والوسائل المتعددة ؛ لأنها لغة التنزيل ، والهدف البعيد : قطع الأجيال القادمة عن حضارتها ، وتاريخها ، وتراثها ، وعن قرآنها ، وإخراجه من المعاهد إلى المعابد ، ليتحول إلى أصوات مُبهَمة غير مفهومه ، كاللغات البائدة ، لذلك يستخدم الهجوم في كثير من الأحيان وسائل التدليس ، فيجعل بناء اللغة وتركيبها هو السبب ، وليس الإنسان المتخلف العاجز عن التطور والتطوير . وهذا التدليس إما أن يتأتى بسبب التخلف ، الذي يحول دون تمكين الإنسان من الكشف عن السبب الحقيقي ؛ وإما بسبب الخوف والجبن من كشف العوامل الأساسية ، وفي مقدمتها : الاستبداد السياسي ، والظلم ، وغياب الأمن والحرية ، عوائق الإنتاج والعطاء في كل المجالات ؛ وإما بسبب العمالة الثقافية ؛ لأنّ تدمير اللغة ومحاصرتها هو تعطيل لفاعلية الأمة ، وإطفاء لروحها ، وتجميد لحركتها ، وقطع لجذورها ، وإقصاء لها عن تراثها " .

 

أشرتُ من قبل إلى أنَّ وسائل الإعلام العربية قد نجحت في توظيف التقنية في الخدمة الثقافية ، والاجتماعية ، والحضارية ، وتحديث المجتمعات ، ونقل للأخبار ، وتسجيل للتاريخ المعاصر ؛ إلا أنها لم تفعل الشيء نفسه مع اللغة العربية . وإذا كانت العملية الإعلامية بهذه الخطورة ، وكانت اللغة هي أداتها ، ووعاؤها ، وكانت اللغة العربية وعاء المعجزة الإعلامية البيانية ؛ فمن حق كل عربيّ مخلص غيور على لغته أن يتساءل : أين دور العربية في وسائل الإعلام اليوم ، والوصول إلى الآفاق الحياتية المتعددة ؟ إنّ أي تشويه يلحق بالعربية على القنوات الفضائية هو أشد خطراً ، وأفدح أثراً من أي تشويه مماثل يقع في صحيفة ، أو مجلة ، أو كتاب . وليست الإشكالية – كما يرى بعض الباحثين المهتمين بالشأن اللُغويّ – في احتلال العاميّة الكثير من وسائل الإعلام ، أو اللحن بالعربية وإشاعته على ألسنة وعقول المتلقّين فحسب ؛ وإنما الإشكالية أيضاً في اختيار المفردات اللغوية ، والأسلوب المناسب لأنواع الأوعية الإعلامية ، من مقروءة ، ومسموعة ، ومرئية ، ولطبيعة المادة الإعلامية ، وفنون التعبير ، وطبيعة المضامين الإعلامية . ومن هنا : تعالت أصوات الغيورين المُخلصين في هذه الأمة بضرورة الارتقاء باللغة العربية في وسائل الإعلام ، ولا يعنون بالارتقاء مجرّد رصد وإحصاء الأخطاء على الإعلاميّ ومحاولة تصويبها ؛ وإنما أنْ يصبح إعلامنا العربيّ بالمستوى المطلوب – لغة ، وأداءً – ليصبح مدرسة لتعليم اللغة ، وبذلك يشكّل الإعلام – بكل عطائه – موقعاً مسانداً للعملية التعليمية ، والتربوية .

 

 

يقول العالم اللُّغويّ Ernest Reanan : " إنَّ اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال ، وأنّ هذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر ، وصعُب تفسيره ، وقد انتشرت هذه اللغة سلسة أيّ سلاسة ، غنية أيّ غنى ، كاملة لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أيّ تعديل مهم ؛ فليس لها طفولة ولا شيخوخة ، إذ ظهرت أول مرّة تامة مستحكمة " . وهذا الكمال اللّغويّ الذي أشار إليه Ernest لو أحسن إعلامنا العربيّ استغلاله لأصبحنا في شأن آخر غير واقعنا الإعلاميّ الذي يعرفه العاميّ قبل المتخصص ؛ إذ تتيح لغة القرآن الكريم للإعلام المكتوب بالعربية أسباب استقامة أسلوبه ، لأنها تتسم بمزايا جمالية وبلاغية ، لا تتوفر في أي لغة أخرى ؛ فالأسلوب القرآنيّ يوافق الكلام لمقتضى الحال ، ويناسب المقام ، ويعتمد الإيجاز البالغ دون أن يخلّ بالمقصود ، ويستخدم الإطناب غير المملّ ، والتراكيب الشديدة التنوع . وإنّ تدبّر رجل الإعلام لغة القرآن يصقل أسلوبه ، ويُكسبه الأدوات التعبيرية الملائمة لكل حال ولكل حدث . كما يمكن للإعلام أن يخدم اللغة العربية ويرقّيها بطرق شتى ؛ ومن ذلك : صقل لسان جمهورها وتهذيبه ، من خلال ترقية اللهجات العامّيّة ، والتأسيس للغة مشتركة موحّدة ، وكذلك يشكّل تعامل وسائل الإعلام مع المصطلحات الجديدة أهمية قصوى في حياة الأمة العلمية والثقافية ؛ إذ إنّ عملية توظيف المصطلح الحديث الوافد أضحت تثير جدلاً محتدماً بين أنصار تأكيد الذات وزمرة الانفتاح الكليّ على مستجدات العصر ، والصحافة – بوجه خاص – من خلال توظيفها للمصطلحات ، تعمل على خدمة هذا الطرف أو ذاك .

 

 

 

يذكر المختصون أنّ اللغة العربية احتفظت بأكبر قدر من مقومات اللسان السّاميّ الأول ، وبقي فيها من تراث هذا اللسان ما تجرّدت منه أخواتها السامية ؛ فتميّزت عنها – بفضل ذلك – بخواص كثيرة ، يرجع أهمها إلى أنها أكثر أخواتها احتفاظاً بالأصوات السامية ، وأنها أوسع أخواتها جميعاً ، وأدقّها في قواعد النحو والصرف ، وأوسعها ثروة في أصول الكلمات والمفردات . ففي اللغة العربية من المقومات والدّقة الصارمة ، والأسس ما يُخوّلها لأن تكون قادرة على أخذ مكانها الصحيح في هذا العصر ، كما أنّ الألفاظ العربية هي أوزان موسيقية ، والكلمات ذات الوزن الموسيقيّ الواحد لها دلالة معنوية محدّدة . واللغة العربية هي اللغة الحية الوحيدة في العالم التي بقيت دون تغيير في كلماتها ، ونحوها ، وتراكيبها منذ أربعة عشر قرناً مضت . وأهل الشأن اللغويّ يعرفون أنّ معظم مشتقات اللغة العربية تقبل التصريف – إلا ما ندر منها – وهذا يجعلها في طوع أهلها أكثر من غيرها ، ويجعلها أيضاً أكثر تلبية لحاجة المتكلمين . ولعلّ من أبرز ما يميّز اللغة العربية : استعمالها الدقيق للفظ ، حتى إنّ هذه الدقة في الاستعمال اللغويّ قد عُنيت بها كثير من كتب اللغة قديماً وحديثاً ؛ فأسّست بذلك منهجاً في الدرس اللغويّ . ومن ضروب الدقة ما يظهر في اقتران الألفاظ بعضها ببعض ؛ أفلا ترى للعرب تقول في وصف شدة الشيء : ريح عاصف ، وبرد قارس ، وحرّ لافح . وفي الوصف بالامتلاء : نهر طافح ، ووادٍ زاخر ، ومجلس غاصّ . 

القائمة البريدية

إنظم لقائمة أكاديمك البريدية ليصلك جديد الدورات والدبلومات

خدمات المتدربين

00962795625095

acdemic_707077@yahoo.com

أوقات الدوام من الساعة 10 صباحا ولغاية الساعة 4 عصرا بتوقيت مكة المكرمة عدا الجمعة ويمكن التواصل خارج أوقات الدوام عبر sms

مدونات أكاديمك

جميع الحقوق محفوظة أكاديمك للتدريب والتعليم 2011